قد تبدو هذه حصيلة مفاجئة، خصوصاً حين نضع في عين الاعتبار أن الجزائرييين كانوا من الدفعات الأولى التي تدفقت إلى أفغانستان في العام 1979 للانخراط في الجهاد ضد القوات السوفييتية، وأن آلاف الجزائريين انضموا إلى صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة والحركات الجهادية الأخرى في الساحة الجزائرية، خلال الحرب الأهلية في البلاد في تسعينيات القرن العشرين. لكن، وعلى الرغم من التراجع الحاد في النشاطات الجهادية منذ نهاية الحرب الأهلية، إلا أن السلطات الجزائرية واصلت الحديث عن إرهاب مُستلحق من حقبة السنوات الـ15 المنصرمة.
500. كما أن القوة البشرية المتاحة للتجنيد يبلغ قوامها 20. 387. 681 شخصاً في الجزائر، مقابل 5. 798. 752 شخصاً في تونس. وتضم قوة الاحتياط العاملة في الجزائر 400 ألف شخص، مقابل نظيرتها في تونس التي تضم 12 ألفاً. من خلال هذه القدرات، عزّزت الجزائر حدودها وأرسلت المزيد من القوات لمراقبة حدودها مع ليبيا ومالي والنيجر. وبحلول العام 2014، كانت الجزائر قد أغلقت حدودها كلها، ماعدا حدودها مع تونس، وحوّلتها إلى مناطق عسكرية لايستطيع أحد دخولها من دون تصريح أمني خاص.
والأهم من ذلك أن لدى الجيش الجزائري ماليس لدى نظيره المغربي أو التونسي، وهو التدريب المتطور للغاية والخبرة القتالية الكبيرة في مجال مكافحة الإرهاب. شرح هذا الأمر رائدٌ سابق في الجيش الشعبي الوطني قائلاً: "لم يعد الجيش الجزائري كما كان في تسعينيات القرن المنصرم حين كان الوضع خارجاً عن السيطرة... واجه الجيش كارثة في السنتين الأولتين لأننا لم نكن نملك أي خبرة في مجال الحرب ضد الإرهاب...
في السنوات التالية، شهدت الجزائر ولادة فيض دافق من المجموعات الجهادية، كان أبرزها الجماعة الإسلامية المسلحة التي دعت إلى القتال ضد "الدولة الطاغوت"، وإلى إقامة دولة إسلامية. وبعدها دامت الحرب الأهلية مع أهوالها وقصفها ومجازرها الجماعية أكثر من عشر سنوات. والفرد الذي عاش سنوات الحرب خلال فترة تبرعُم شخصيته، ترعرع في بيئة يحكمها الخوف الدائم. إلى الآن، لايزال الخوف من اللااستقرار قوة مهولة في الجزائر.
فحالة الطوارئ التي أُعلنت في مستهل الحرب الأهلية، لم تُرفع إلا في العام 2011. ثم أن البلاد لاتزال تشهد حوادث جهادية محدودة ومحلية بشكلٍ كبير، خصوصاً في مناطق مثل منطقة القبائل على ساحل البحر المتوسط. العناصر الجهادية المحلية التي تقوم بهذه العمليات هي إما أعضاء في مجموعات مستقلة ذاتياً، أو على ارتباط بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي خَلَفَ الجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي خَلَفَ بدورها الجماعة الإسلامية المسلحة. والحال أن الجزائريين لايزالون يشعرون بالقلق من احتمال العودة إلى الاضطرابات السابقة، خصوصاً مع اندلاع النزاعات في بلدان مجاورة كليبيا وتونس، والتي قد تمتد إلى الجزائر. علاوةً على ذلك، تشكّل الصور المتدفقة من سورية والعراق رسالة تذكير مؤلمة للجزائريين بأحداث العشرية السوداء الذي "لا أحد يريد أن يعيشها ثانية"، كما قال جزائري في عقده الثالث لكاتبة هذه السطور.
لماذا لا تُصدِّر الجزائر الجهاديين؟ثمة نقاش متواتر حول أسباب جاذبية مجموعات جهادية، على غرار الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً وجبهة النصرة وغيرهما، لمقاتلين عرب وآخرين أجانب يتحدّرون من بلدان غربية. وتَركّز اهتمام واسع أيضاً على الأعداد المتزايدة من التونسيين والمغاربة الذين ينضمون إلى هذه المجموعات في سورية والعراق، بعد أن وصلت أعدادهم في أيلول/سبتمبر 2014 إلى نحو 3000 و1500 مقاتل على التوالي. بيد أن نذراً يسيراً من الاهتمام مُحض للحقيقة بأن عدد الجزائريين الذين يقاتلون في الخارج، والذين قال مسؤول حكومي في حزيران/يونيو إن عددهم لايتجاوز الـ63 عنصراً، يُعتبر صغيراً للغاية قياساً بزملائهم التونسيين والمغاربة.
ينبغي على الجزائر أن تفكّر في إصلاح قطاع الأمن، ماقد يشكّل خطوةً أولى في مسار بناء علاقات مدنية-عسكرية أكثر توازنا. إضافةً إلى ذلك، لاتزال الجزائر تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية، والشباب هم بلا شك أولى ضحايا هذه المشاكل. تعتمد الجزائر بشكلٍ كبير على قطاع النفط والغاز، الذي يشكّل 60 في المئة من عائدات الميزانية في البلاد، و97 في المئة من صادراتها، و30 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي.
المفوضية - DZA - UNHCR
تقرير آفاق الاقتصاد العالمي - International Monetary Fund
من خلال هؤلاء العلماء، والجامعات والمؤسسات والمساجد التي يعملون فيها، تستطيع الدولة السيطرة على الخطاب الديني وتوظيف العلماء لخدمة مشروعها السياسي. وقد شرح مقدَّم سابق في الجيش الوطني الشعبي الجزائري هذا الأمر في أيار/مايو 2015 بقوله: "نتركهم يعملون بحرية لأنهم لايطرحون تهديداً... بل على العكس، يشكّلون وسيلة جيّدة تتيح للشباب تنفيس غضبهم وإحباطهم والتكيّف معهما". آليات أمنية صارمة ولا ترحم العامل الأخير الذي يسهم في إبقاء مشاركة الجزائريين في التنظيمات الجهادية منخفضة، خصوصاً في الخارج، هو الرقابة المشدّدة التي تفرضها الأجهزة الأمنية التابعة للدولة على هذه التنظيمات. لايعني ذلك غياب العنف الجهادي كليّاً في البلاد. إذ أن النشاط الجهادوي المحلّي متواصل، مثل الهجوم الذي شنّه تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على موكب للجيش في عين الدفلى شمال الجزائر في 8 تموز/يوليو 2015.
More >يمكن تفسير أسباب العدد المحدود من المقاتلين الآتين من الجزائر (وبشكل أعم نفوذهم الضئيل في البلاد) بمروحة من العوامل، منها: الخطاب العام الجزائري، والدائرة الدينية الجزائرية وسياسات الدولة نحوها، ومستوى الأمن في البلاد. ومع ذلك، تُواصل سياسات الدولة تجاهل التظلمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ماقد يزرع في نهاية المطاف بذور اللااستقرار مجدّداً في الجزائر، ويسفر بالتالي عن تصاعد النزعة الجهادوية في الخارج. صدمة الجرح الغائر للعشرية السوداء يبدو أن سبباً رئيساً للجاذبية الخفيضة للحركة الجهادوية بين الجزائريين، هو تجربة الحرب الأهلية في البلاد التي اندلعت طيلة عقد التسعينيات. هذه الحقبة، التي تُعرف بالعشرية السوداء والتي قُتِل خلالها زهاء 150 ألف شخص واختفى 7 آلاف آخرون، خلقت جرحاً عميقاً وغائراً لاتزال معالمه تتجلى بوضوح في توق الجزائريين إلى الأمن والاستقرار. وهو أمر تُغذي مشاعره السلطات لتبربر مواقفها الأمنية القاسية. في أعقاب الانتصار الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ الراديكالية، في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في كانون الأول/ديسمبر 1991، تم وقف العملية الانتخابية في كانون الثاني/يناير 1992، وأطلق الجناح المتطرف في الجبهة أولى صرخات الدعوة إلى الجهاد.
العمليات التكوينية المبرمجة لفائدة القضاة والإطارات
مع ذلك، ليس مفهوم الأمن الكلّي مجرّد شعار. فقوى الأمن في حالة تأهب وتمتلك قدرات عالية. وقد وظّفت الجزائر (39 مليون نسمة) 209 آلاف عنصر شرطة في المديرية العامة للأمن الوطني في العام 2014 – فيما كان العدد 90 ألفاً في العام 2009. في المقابل، وظّف المغرب (33 مليون نسمة) حوالى 46 ألفاً في هذا الجهاز. وحتى فرنسا، التي يبلغ عدد سكّانها 65 مليون نسمة، ليس لديها سوى 143 ألف شرطي في جهاز الأمن الوطني. تقدّم الدولة الجزائرية حوافز إلى أعضاء أجهزة الأمن للحفاظ على ولائهم. ففي العام 2010، زادت الدولة رواتب موظّفي الجهاز المرتفعة أصلاً بنسبة 50 في المئة.
Data
الجزائر بدأ أكثر من نصف مليون تلميذ وتلميذة مرحلة اختبارات البكالوريا في الجزائر في 13 سبتمبر. ولم تقتصر الظروف الاستثنائية هذا العام على تفشي وباء كورونا في وانتشاره في البلاد فحسب، بل امتدت إلى فرض عقوبات قضائية تعسفية في القضايا المتعلقة بالغش في الامتحانات. وتواصلت العقبات والقيود التي تفرضها السلطات الجزائرية لتطال قطع الانترنت والذي يصعب الوصول إليه خلال فترة الامتحانات، وأحياناً ينعدم، كما حصل خلال السنوات القليلة الماضية وذلك بحجة تجنب ومنع الغش في الامتحانات. حيث قامت شركة اتصالات الجزائر، وهي المشغل العمومي والرئيسي للشبكة، بقطع الانترنت مؤخراً من 13-17 سبتمبر ابتداءاً من الساعة السابعة والنصف صباحاً حتى السادسة مساءاً، وعلى غرار السنين السابقة، لم تقدم الشركة أي تصريح أو بيان رسمي بخصوص الانقطاع.
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية - LAITS
لكن كل شيء اختلف اليوم. فنحن نملك العتاد، والقوة البشرية، والمال، وخصوصاً الخبرة. والمجموعات الإسلامية خاضعة إلى السيطرة والمراقبة. ولن نسمح لها بفعل ذلك مجدّداً. كل الأمور تحت السيطرة... لدينا آليات أمنية صارمة ولاترحم". زاد الجيش بالفعل مهامّه وعملياته الأمنية منذ نشوب الصراع الحالي في ليبيا في العام 2014، وحقّق نجاحاً نسبيّاً في تأمين الحدود الجزائرية ضد تدفّق المقاتلين من خارج البلاد. كما أنه يعتقل بشكلٍ دوريّ مهرّبي المخدّرات والسلاح والجهاديين، ولاسيما في الجنوب (في عين أميناس وجانت بالقرب من الحدود الليبية) والشرق (في تبسة والوادي بالقرب من تونس). على سبيل المثال، قتل الجيش الشعبي الوطني عبد المالك قوري، زعيم المجموعة الجهادية جند الخلافة، - التي أعلنت عن ولائها لتنظيم الدولة الإسلامية، وتبنّت قتل المواطن الفرنسي هيرفيه غورديل في العام 2014 – مع اثنين من رجاله، بعد شهرين من قطع رأس غورديل.
اﻟﺠﺰاﺋﺮ اﻟﻔﺮص و اﻟﺘﺤﺪﻳﺎت اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺮﻗﻤﻲ ﻓﻲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ ا - Université de
وأبدى آخرون في العاصمة للكاتبة آراء مماثلة على غرار: "هل لدينا خيار حقاً؟]... [ على الأقل بوتفليقة يمكنه تجنيبنا الفوضى"، أو: "الخيار اليوم هو بين الطاعون والكوليرا". حتى أولئك اليافعين الذين لم يعيشوا الحرب الأهلية، ترسبت لديهم صور الحرب والعنف، وثمة لديهم شعور بأن الخطاب الراهن الخاص بالأمن مقبول، بسبب التهديد الإرهابي القائم. وتغذي الحوادث الفردية للإرهاب الجهادي، (مثل الهجوم على منشأة عين أميناس للغاز في العام 2013، والذي قُتل فيه 70 شخصاً، بينهم 37 أجنبياً كانوا أُسروا كرهائن، و29 متشدّداً)، الخوف من اللااستقرار؛ كما تغذيه البيانات الحكومية المتكررة حول تهديد الإرهاب الذي يواجه البلاد. من السلفية الجهادية إلى الدعوة السلفية ثمة سبب آخر للجاذبية المحدودة للجهادوية بين الجزائريين، هو صعود حركة الدعوة السلفية، التي يُطلق عليها البعض اسم السلفية العلمية، كبديل عن كلٍّ من الجهادية والعمل السياسي، والاستلحاق بالدولة.
انحسار الفقر في بلدان المغرب العربي، لكن التفاوتات لا
ونفّذ الجيش الشعبي الوطني لاحقاً عملية ضخمة في مدينة البويرة أسفرت عن مقتل خلف القوري، بشير عثمان العاصمي، والقضاء على مجموعته المؤلفة من 25 رجلاً. في مثالٍ آخر عن الردّ الصارم على الأنشطة الجهادية المتفرقة والمحلية، قُتل 190 جهاديّاً في منطقة القبائل، التي كانت خاضعة سابقاً إلى سيطرة الجماعة الإسلامية المسلحة، بين كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر 2013. أي مرحلة مقبلة في الجزائر؟ على الرغم من كل التدابير التي اتخذتها الدولة، تشكّل الآليات الأمنية الصارمة نهجاً خطيراً. وذلك بسبب انتشار ثقافة الإفلات من العقاب في صفوف أعضاء الشرطة والأجهزة الأمنية، مايتيح لهم ممارسة التعذيب وسائر انتهاكات حقوق الإنسان من دون الخضوع إلى المحاسبة. قد ينجم عن ذلك تطرّف الشباب، كما حدث في الجزائر في التسعينيات، حين أدّى فتح مراكز الاحتجاز في الجنوب إلى سعي آلاف الشباب إلى الانتقام والثأر.
يسعى أعضاء الدعوة إلى الحصول على الإرشاد من علماء دين يُعتبرون موثوقين وسدنة المعرفة الدينية الحقيقية، وبعيدين عن الانقسامات الحزبية. والواقع أن الدعوة السلفية تدعو إلى الصمت التام حيال القضايا السياسية، وترفض النشاطات السياسية التي تعتبرها مسؤولة عن الفتنة بين المسلمين. كما تعرض الحركة على أتباعها الدعم الاقتصادي والاجتماعي عبر نظام شبكات وتبرعات يمكن الوصول إليه من خلال الجماعة السلفية. وتساعد الحوافز الاقتصادية وحس الانتماء إلى الجماعة، التي لها مساجدها وروابطها وعلماؤها وأنماط لباسها وأسلوب حياتها الخاص، على تفسير أسباب عدم اهتمام الشباب السلفيين بمغادرة الجزائر للانخراط في "قتال ليس قتالنا"، وفق الشاب السلفي ياسين. توظّف الدولة الجزائرية معظم علماء الحركة ليعلّموا في الجامعات أو المساجد، ولا يهتمّون بالدولة وسياساتها، كما لايطرحون أي تهديد لها.
مهاجرو دول الساحل في مدن الصحراء الجزائرية : من مسار عبور إلى




